تعليق قانوني حول المادة الثالثة من دستور 2012 المعطل
بقلم
الدكتور
سمــير تناغو
الأستاذ بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية
تنص المادة الثالثة من دستور عام 2012 علي أن " مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسى للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية " .
ولنا ملاحظات على هذا النص من ناحية الدقة في الصياغة القانونية ، وسوف نبدي هذه الملاحظات بإيجاز شديد لتوضيح الفكرة ، مشيرين في ذلك إلى المراجع والأبحاث التي كتبناها تفصيلاً حول هذه المسألة . ثم نضع الصياغة التي نقترحها لتعديل هذا النص .
والواقع أن هذا النص به خطأين فادحين من حيث الصياغة .
أولا : كلمة المصدر .
فإستعمال كلمة المصدر غير دقيقة من ناحية الصياغة، لأن هناك فارق بين مصدر القاعدة القانونية ومضمون هذه القاعدة ، وتلك مسألة دقيقة ومعقدة في فلسفة النظرية العامة للقانون ، يفهمها القانونيون أكثر من غيرهم ، وقد عرضنا لها بشكل مفصل في كتابنا النظرية العامة للقانون ، ونعرض هنا توضيحاً موجزا لسبب الإعتراض على الكلمة .
فمن المعروف أن علم الإجتماع القانوني الذي يبحث عن المصدر المنشئ للقواعد القانونية فى المجتمع، طبقا لمبدأ السبب المنشئ، أو طبقاً لمبدأ السببية، يقرر أن مصدر القانون فى مصر، هو إرادة الدولة، التى تعبر عنها السلطة التشريعية، كما تعبر عنها أحياناً السلطة القضائية، وكذلك السلطة التنفيذية، فى نطاق محدود، وأحكام الشرائع غير الإسلامية لا تنطبق بذاتها، والأحكام التي يمكن للمشرع أن ينقلها ويتبناها من هذه الشرائع في مسائل الزواج ، هى أحكام تشريعية وضعية مصدرها إرادة المشرع، وان تطابقت فى مضمونها مع بعض الأحكام أو الآراء في هذه الشرائع. ومن ثم تكون شرائع غير المسلمين في هذه الحالة هي مضمون القاعدة القانونية وليست مصدرها، فلا ينبغى أبداً الخلط بين المصدر والمضمون».
( راجع تفصيلاً حول الفارق بين مضمون القاعدة القانونية ومصدرها مؤلفنا في النظرية العامة للقانون ، منشأة المعارف ، 2009 ، بند 84 ومابعده ).
ثانيا : مصطلح الأحوال الشخصية
هذا المصطلح غير سليم من الناحية القانونية لأنه لا يوجد شيء اسمه الأحوال الشخصية لغير المسلمين، فاصطلاح الأحوال الشخصية من مخلفات الامتيازات الأجنبية وتعدد جهات القضاء. واصطلاح الأحوال الشخصية يشمل من الناحية التاريخية، أربعة موضوعات، ثم توحيد القانون فى ثلاثة منها بالنسبة للمصريين جميعا. واصطلاح الأحوال الشخصية كان يشمل:
1- حالة الشخص وأهليته
2- الولاية والوصاية والقوامة والحجر واعتبار المفقود ميتا....الخ
3- المواريث والوصايا.
وقد تم توحيد القانون فى كل هذه المسائل بالنسبة للمصريين جميعا مسلمين وغير مسلمين، والموضوع الرابع والوحيد والذى يخص غير المسلمين، هو موضوع الزواج والطلاق.....الخ.
( راجع تفصيلاً وافياً في كتابنا ، أحكام الأسرة لغير المسلمين ، منشأة المعارف ، 2008 ، ومقالنا القضايا المعلقة بين الكنيسة والدولة ، وبحثنا بعنوان ، مصطلح الأحوال الشخصية من مخلفات الامتيازات الاجنبية وتعدد جهات القضاء ، بمجلة قضايا الحكومة)
وقد هاجمنا من قبل الرأي الذي طالب باستخدام مصطلح أحكام شرائع غير المسلمين ( راجع مقالنا في جريدة الفجر في 26/4/2012 ، بعنوان " المبادئ الكلية أخطر ماجاء بوثيقة الأزهر" )، لانه لا يجوز الحديث عن أحكام شرائع غير المسلمين، لكن يجوز فقط الحديث عن المبادئ العامة لهذه الشرائع كما هو الشأن بالنسبة لمبادئ الشريعة الاسلامية. لذلك حسناًً فعل نص المادة الثالثة من دستور 2012 المعطل إذ استعمل كلمة مبادئ بلاً من كلمة أحكام ، وإن كنا نتمنى وصف هذه المبادئ بأنها المبادئ العامة الكلية .
النص المقترح
إذا شئنا أن نضع تعديلاً لصياغة نص المادة الثالثة من الدستور المعطل للأسباب التي أسلفنا شرحها فإنها تكون كالتالي :
« يستوحى المشرع المبادئ العامة الكلية لشرائع غير المسلمين، فى أمور زواجهم وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية ».
والنص المقترح يحمى المسيحيين من تطبيق الشريعة الإسلامية عليهم، فى حالة الاختلاف فى الملة أو الطائفة، كما تنص على ذلك المادة السادسة من القانون رقم 462 لسنة 1955، التى أصبحت المادة الثالثة من القانون رقم (1) لسنة 2000.
كما أن هذه النص يوكل إلي المسيحيين تنظيم شئونهم الدينية واختيار قيادتهم الروحية وفقاً لشرائعهم .
وفى الوقت نفسه فإن هذا النص، لا يمنع الدولة مستقبلاً، من الفصل بين الزواج الدينى الذى يخضع لتعليمات الكنيسة، وبين الزواج المدنى، الذى تنظمه الدولة مراعية فيه المبادئ الكلية للشرائع المسيحية، التى لا تسمح بتعدد الزوجات، أو التطليق بالإرادة المنفردة للزوج.
وكان البعض قد اقترح لتفريغ، النص المقترح من كل قيمة لها، أن يكون العمل بمبادئ الشرائع غير الاسلامية «فى حدود القوانين والأعراف المعمول بها فى مصر». وهذه الجملة الأخيرة خبيثة وساذجة فى نفس الوقت، لأنه لا ينطلى على أحد، أن المقصود بها، هو أن تخضع مبادئ الشرائع غير الاسلامية، رغم النص عليها فى الدستور، لأحكام القوانين، كتلك التى تطبق الشريعة الاسلامية على غير المسلمين فى حالة الاختلاف فى الملة أو الطائفة. وبهذا يخضع الدستور لأحكام القانون، وليس العكس. ويظل غير المسلمين خاضعين لأحكام الشريعة الاسلامية، رغم النص الدستورى المقترح بخضوعهم لمبادئ شرائعهم.
سمير تناغو
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق