الملتقي الفكر ي لمنهج العدالة الانتقالية
الاثنين 23 سبتمبر 2013
بداية محاول لألقاء الضوء علي مصطلح اخشى أن يكون قد شابه بعض الضرر وهو مصطلح العدالة الانتقالية أو بالانجليزية Transitional Justice ورغم ان دارسي القانون يعلمون ان مفهوم العدالة لا يقتصر علي النصوص وتطبيقاتها ، بل يعني في جوهره " الشعور بالعدل " إلا ان اللفظة قد تذهب بأذهان البعض إلي قسراً إلي القوانين والمحاكم فيتصور البعض ان المفهوم يقصد أو " يقتصر " علي إنشآء محاكم استثنائية " أو نيابات خاصة " تضمن تحقيق العدالة أو " القصاص " أثناء الفترة الانتقالية . كم قد تأخذ البعض رغبته " أو مصالحه " فيعمل علي اختصار المفهوم في المصالحة " مع رموز النظام السابق ، سياسية كانت أو مالية ، مستحضرا تجربة جنوب أفريقيا فيما بعد العنصرية .
وقد يفاجاء البعض ان اكثر من الف كتاب في العلوم السياسية والقانون صدر حول الموضوع ، مفهوما ، وموضوعاً وتعريفا ةدراسات مقارنة للآليات التي تعم أعتمادها هنا وهناك في الدول التي شهدت مراحل " انتقالية " من حالة استبداد أو صراع إلي دولة معاصرة تتوافر لها عناصر الديمقراطية والاستقرار ، والأمم المتحدة أولت هذا الموضوع اهتماماً كبيراً وصلت لدرجة ان الامين العام السابق كوفي عنان أصدر في اغسطس 2004 تقرير خاص عرف فيه مفهوم العدالة الانتقالية بأنه " الآليات التي يجب أن أن يقوم بها المجتمع للتعامل مع تركة تجاوزات الماضي واسعة النطاق بغية كفالة المسألة وإقامة العدالة وتحقيق المصالحة "
وبغض النظر عن المصطلح وعن الجدل الاكاديمي المعتاد حول المصطلح ومعني " أنتقالية " والتساؤل النظري " حول عدالة الاختلاف حول هذا المفهوم وما ألفناه من مفاهيم العدالة التقليدية المرتبطة بأحكام القضاء واللجوء إلي المحاكم بانواعها ودرجاتها ، إلا ان التجارب "العملية " لأكثر من ثلاثين دولة من تشيلي والارجنتين وبيرو وغيرهم وفرت كما كبير من الدراسات لدارسي العلوم السياسية لتقنين المفهوم واحكامه .
وتذهب تلك الدراسات إلي انه علي اثر انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان يجب للضحايا أن يرو معاقبة المرتكبين ومعرفة الحقيقة والحصول علي تعويضات ، ولأنت الانتهاكات المنتظمة لحقوق الانسان لا تؤثر علي الضحايا المباشرين وحسب ، بل علي المجتمع ككل بكل فئاته ، يصبح من مقتضيات نجاح المرحلة الانتقالية أن تضمن الدولة - أو بالاحري القائمين علي أدارة المرحلة الانتقالية -عدم تكرار تلك الانتهاكات ، مما يقضي ضرورة القيام بأصلاح المؤسسات التي إما كان لها يد في هذه النتهاكات أو كانت عاجزة عن تفاديها ، وتقول تجارب السابقين التي اشارت اليها الدراسات ان تاريخا حافلاً بالانتهاكات الجسيمة التي لم تعالج سيؤدي حتما إلي انقسامات رهيبة اجتماعية وسياسية وستكرس غياب الثقة بين جماعات المجتمع المختلفة بل وفي مؤسسات الدولة ذاتها وستعرقل الأمن والتنمية وستؤدي في النهاية إلي حلقة مفرغة من العنف بكل انواعه ...
هل نتحدث عن مصر الآن ؟؟؟
لو نظرنا الي واقعنا المصري لوجدنا أننا حيال حالة فريدة تكاد تختلف تماما عما عرفته دول كالمغرب وجنوب أفريقيا ودول شرق أوربا و الارجنتين وشيلي إلي آخر تلك النماذج ، كان الامر في تلك الحالات ينصرف إلي تسوية مخلفات مرحلة سابقة انطلاقاً إلي مرحلة جديدة ، ولكن الامر بالنسبة لنا يبدو مختلفا فنحن حيال ثلاث مراحل سابقة ( علي الأقل) نود من خلال العدالة الانتقالية تصفية مخلفاتها لبناء مرحلة جديدة .
مرحلة حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك التي انتهت في 11 فبراير 2011 ، وتلتها فترة إمساك المجلس العسكري بالسلطة التي انتهت بدورها في 30 يونيو 2012 لتبدأفترة حكم الرئيس السابق محمد مرسي التي انتهت في 3 يونيو 2012 ولكل مرحلة من المراحل السابقة تجاوزاتها القانونية والاقتصادية بل وشهدائها أيضا ولم تزل غالبية ملفاتها مقتوحة يقف القضاء الطبيعي أمامها مقيداً ، تري هل يمكن تسوية تلك الملفات كلها دفعة واحدة بشكل يضمن تقبل الأطراف جميعا للنتيجة والرضا بما اسفرت عنة عدالتنا الانتقالية المنشودة التي نتمناها ؟؟؟
إن انجاز العدالة النتقالية يشترط من الناحية النفسية ممارسة الاطراف جميعاً - دون إقصاء لأحد - لمبدأ النقد الذاتي المتبادل والقبول بالتضحية بجزء من الاهداف النهائية في سبيل المصلحة العامة أما إذا ما اتفقت عدة أطراف علي إقصاء طرف معين فإننا نصبح آنذاك حيال نوع من " عدالة المنتصر "
إن الهدف من العدالة الانتقالية في مجتمع معين هو تحقيق المصالحة الوطنية وفي نفس الوقت تحقيق العدالة ويعتبر كلا الهدفين متكاملان لا انفصال بينهما .ولكن تري اي الهدفين ينبغي ان يسبق الآخر ؟ المصالحة الوطنية أم العدالة الانتقالية ؟يري البعض أنه إذا لم يخضع مرتكبوا انتهاكات حقوق الانسان للمحكمة وافلتوا من العقاب علي جرائمهم فسيستمر الأمر كما كان في النظام الجديد ومن ثم لاينتهي الصراع . ويري البعض من جانب آخر ان السبيل الوحيد لإنهاء العنف علي نحو فعال هو بالعفو مبدئيا عما سبق والشروع في التفاوض من خلال الوسطاء .
وعلي أي حال فأنه لا يمكن عملياً أنجاز المصالحة الوطنية أو العدالة الانتقالية - بصرف النظر عن اسبقية أيهما - إلا إذا ما استقر في وعي الأطراف المشتبكة جميعاً أن دوام الصراع يهدد الجميع ، وأن أحد لا يستطيع القضاء علي الآخر ماديا ولا فكرياً بالضربة القاضية التي تجعلة أثراً بعد عين .
ورغم ان الوقت مازال طويلاً لإنجاز عدالة انتقالية حقيقية ، فإن علينا علي الأقل السعي لتوفير الأجواء الفكرية اللازمة التي تمهد لتقبلها حين ينضج الموقف للبدأ فيها ، ولعل تحقيق ذلك التمهيد يتطلب التمسك بعدد من الثوابت الفكرية لعل أهمها :
* أننا شعب واحد رغم تنوع عقائدنا وأفكارنا
* أن استبعاد فريق يؤدي بالضرورة إلي تفشي ظاهرة الأستبعاد المتبادل بحيث يتفتت الوطن
* أنه لا توجد بيننا مجموعة من الملائكة مقابل مجموعة من الشياطين فلكل مرحلة في تاريخنا ولكل جماعة من جماعتنا بدون أستثناء سلبياتها وإنجازاتها
* أن الأفكار مهما تناقضت ومهما بلغت حدت التناقض ، علينا القبول بوجودها
* التصالح ينبغي ان يكون بالرضا الطوعي المتبادل